الشيخ عبد الغني النابلسي
392
جواهر النصوص في حل كلمات الفصوص
وأمّا حكمة سؤال فرعون عن الماهيّة الإلهيّة فلم يكن عن جهل ، وإنّما كان عن اختبار حتّى يرى جوابه مع دعواه الرّسالة عن ربّه - وقد علم فرعون مرتبة المرسلين في العلم - فيستدلّ بجوابه على صدق دعواه . فقد نبهتك يا أيها السالك على أدب عظيم من الأعلى في حق الأدنى إذا كان للأدنى في وصف أعلميته في شيء على الأعلى على أن لا يضيعها له تنتفع به ، أي بذلك الأدب إن استعملت نفسك فيه ، أي في ذلك الأدب الذي هو من أدب الأنبياء والمرسلين عليهم السلام . وقوله ، أي موسى عليه السلام بعد ذكره فراره من القتل فَوَهَبَ لِي رَبِّي حُكْماً [ الشّعراء : 21 ] يريد الخلافة الإلهية في الأرض وَجَعَلَنِي ، أي ربي مِنَ الْمُرْسَلِينَ إلى فرعون وبني إسرائيل يريد الرسالة النبوية فما كل رسول من اللّه تعالى خليفة في الأرض عن اللّه تعالى فالخليفة عن اللّه تعالى صاحب السيف ، أي الحكم القاهر وصاحب العزل لمن يشاء في المناصب الدينية والدنيوية وصاحب الولاية كذلك لمن يشاء على رفق الحكمة الإلهية ، فهو صاحب حكم وحكمة في الظاهر والباطن والرسول من اللّه تعالى ليس كذلك إنما عليه ، أي الرسول البلاغ فقط لما أرسل به من الأحكام إلى من أرسل إليه فإن قاتل ، أي الرسول عليه ، أي على ما أرسل به وحماه ، أي حفظ ما أرسل به من أحكام اللّه تعالى بالسيف فذلك المذكور هو الخليفة الرسول ، أي الجامع بين الوصفين فكما أنّه ، أي الشأن ما كل نبي رسولا إذ بعض الأنبياء رسل ، والبعض أنبياء من غير رسالة فبينهما عموم مطلق كذلك ما كل رسول خليفة ، أي أعطاه اللّه تعالى الملك ، أي الحكم والسلطنة والتحكم فيه ، أي في الملك . ولهذا قال بعض الأنبياء : رَبِّ هَبْ لِي حُكْماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ( 83 ) [ الشعراء : 83 ] ، فطلب الخلافة الإلهية ، فقد يكون رسولا وليس بخليفة ، كما أنه قد يكون خليفة وليس بنبي ولا رسول ، كالأولياء المستخلفين في الأرض والملوك ، فبينهما عموم من وجه . وأما حكمة سؤال فرعون لموسى عليه السلام عن الماهية الإلهية بقوله : وما رب العالمين فلم يكن ، أي ذلك السؤال له عن جهل منه برب العالمين ؛ ولهذا ورد أنه لما انقطع النيل في مصر دعا فرعون اللّه تعالى وتضرع إليه أن لا يفضحه بين قومه ، فأجرى اللّه تعالى له النيل ، ولولا معرفته به ما دعاه ، وإن قال : ما عَلِمْتُ لَكُمْ مِنْ إِلهٍ غَيْرِي [ القصص : 38 ] فإنه كاذب في ذلك وإنما كان ذلك السؤال منه عن اختبار ، أي امتحان لموسى عليه السلام حتى يرى جوابه ،